ثقافة” شيخ البنائين”

ثقافة” شيخ البنائين”

بثينة خليفة قاسم

 

 

 

ثقافة” شيخ البنائين”

 

من أهم أسباب تخلف العالم العربي في كثير من المجالات وجود صراع مستمر بين الأجيال، فالكبار لا يؤمنون بالصغار ولا يعطونهم الفرصة ليثبتوا وجودهم؛ لكي يصبحوا قادة صف ثان وثالث للمستقبل، ولكن القيادات العربية ما إن تجلس على كراسيها لا تسمح لأحد غيرها أن يحلم بهذه الكراسي، وإن ضُبط أي شاب متلبسا بحلم من هذا النوع، فسيتم التنكيل به ووصمه بالفشل وبعدم احترام الكبار، وقد يضطر هذا الحالم إلى ترك العمل أو ترك البلاد بكاملها.

 

الغالبية العظمى من المديرين ورؤساء العمل لا يهمهم إلا البقاء في كراسيهم، فيهاجمون أي فكرة إبداعية؛ خوفا أن تقود هذه الفكرة صاحبها إلى هذا الكرسي، وبالتالي تصبح المهمة الأولى للمدير هي وأد الأفكار وأصحابها من خلال التحقير من شأنهم ووصفهم بالجنون.

 

ما يؤكد هذا الكلام أن المئات من خريجي الجامعات العربية من خيرة العقول العربية يهاجرون إلى أوروبا وأميركا كل عام؛ لكي يجدوا الفرصة والبيئة التي تسمح لهم بالتفوق بعيدا عن ثقافة شيخ البنائين. والجميع يعلم أن الدكتور أحمد زويل صاحب جائزة نوبل في الكيمياء، المستشار العلمي للرئيس الأميركي باراك أوباما، مصري من أعماق الريف المصري، ومثله الدكتور مجدي يعقوب جراح القلب العالمي الحاصل على لقب سير من ملكة بريطانيا، وغيرهم كثيرون من أبناء العرب الذين نجحوا بعيدا عن بلادهم، وقدموا خدمات جليلة للبلاد التي أكرمت وفادتهم.

 

ماذا كان يمكن أن يحدث لو بقي هؤلاء وغيرهم في بلادنا العربية؟ هل كان المديرون ورؤساء مجالس الإدارات ووكلاء الوزارات سيسمحون لهم بالتقدم قيد أنملة؟ أم إن ثقافة شيخ البنائين كانت ستودي بهم كما أودت بآلاف قبلهم وبعدهم؟

 

“شيخ البنائين” The Master Builder رواية معروفة في الأدب الانجليزي، بطلها لا يؤمن مطلقا إلا بإمكاناته ولا يريد أن يقتنع أنه ليس آخر المبدعين أو المتفوقين الذين خلقهم الله، فهو آخر من ولدت النساء من ذوي الإمكانات الخاصة، وهو لا يسمح لأي بنَّاء من الجيل الذي ولد بعده أن ينال شرف وضع تلك اللبنة التي توضع في قمة الكنيسة، فهذا الشرف قاصر عليه وحده، ولا ينبغي لأحد من بعده. كبر شيخ البنائين وشاخ، وشاخت كل إمكاناته، وهو يصر على مكانه وعلى شرف وضع لبنة الشرف إياها، وكانت النهاية عندما صعد شيخ البنائين إلى قمة الكنيسة ونسي أن هذا الصعود يحتاج أعصابا أفضل من أعصابه. نسي أنها مهمة تحتاج أعصاب الشباب وتوازن الشباب، فسقط على الأرض وانكسرت رقبته.

 

نحن بطبيعة الحال لا نتمنى للمديرين ورؤساء العمل أن ينالوا مصير شيخ البنائين، ولكننا نريد المدير الذي يصنع صفا ثانيا وثالثا ويفرح عندما يجد أمامه من يصلح أن يكون امتدادا له أو من هو أكثر منه إبداعا أو إنتاجا، فكل هذا يصب في مصلحة البلاد ويؤدي إلى تقدمها، وهذا هو الشيء الباقي. أما المنصب والدرجات الوظيفية، فليس لها دوام. نريد المدير الذي يترك الوظيفة وسط حزن المحيطين به، فيظل في قلوبهم ويظل هو المعلم والقدوة لمن يأتي بعده، ولا نريد مديرين نسخا من شيخ البنائين!

 

زبدة القول:

ابتعد عن أولئك الذين يسفهون آمالك، فصغار الناس هم من يفعل ذلك، والعظماء من الناس هم الذين يشعرونك أنك أيضا قادر أن تكون عظيما. (مارك توين)