الأمير سعود الفيصل نموذج لن ينسى

الأمير سعود الفيصل نموذج لن ينسى

شخصية وزير الخارجية وإمكانياته العقلية والثقافية واللغوية تكون من عوامل خلق المهابة والاحترام ليس فقط لشخصه ولكن للدولة التي يمثلها، لذلك تجد كثيرا من الناس يشغلون هذا المنصب لدولهم ولكنهم لا يتركون أي أثر يذكر في وجدان وعقل الجماهير، لأنهم إما غير مثقفين بما يكفي أو لا يملكون القدرة على تقديم أنفسهم ودولهم، أو أنهم لا يختلفون عن ساعي البريد الذي ينقل رسالة من هنا إلى هناك ويخشون الحديث خارج المربع المرسوم لهم من قبل رؤساء دولهم.
ويمكننا القول إن مثل هؤلاء يمكن أن نطلق عليهم “الوزراء الموظفون” لأنهم لا يتصرفون إلا كما يتصرف الموظف الروتيني طبقا لدور محدد دون أية مرونة.
من عوامل الإساءة لدول عربية كبيرة – ولا ضرورة لذكر أسماء – أن هذه الدول الكبيرة استعانت خلال فترات طويلة بوزير خارجية لا يملك من اللغة والقدرة على الحديث ما يليق بمكانة هذه الدولة وتاريخها وتأثيرها التاريخي، خصوصا إذا كانت هذه الدولة غنية جدا برجال يصلحون لهذه المهمة.
نقول هذا الكلام بمناسبة انتهاء مهمة الأمير سعود الفيصل كوزير للخارجية السعودية، ذلك الرجل الذي بقي في منصبه ما يقرب من أربعين عاما بنفس النشاط والقوة وكان عنوانا لقوة الدولة السعودية واحترامها بما يمتلكه من ثقافة ولغة وقدرة على التعبير والرد في كل المواقف مهما كانت المفاجأة وصعوبة الموقف.
ورغم أن نظام الحكم في السعودية لم يعان أبدا من المراهقة السياسية والتسرع والسعي لإشعال الحروب غير الضرورية، ورغم أن السعودية تستمد مكانتها من كونها رمزا دينيا مقدسا لمسلمي العالم وكونها دولة عطاء على المستوى الانساني، إلا أنها تبدو من خلال شخصية الأمير سعود الفيصل دولة قوية لها شخصيتها المستقلة وقراراتها الحرة.
الأمير سعود الفيصل من نوعية الشخصيات التي لابد أن تترك ذكرى وأثرا في كل موقف ولابد أن تدهشك وأنت تستمع إليها وتشعر أنك أمام شخص لابد أن تستمع إليه لأن لديه ما يقوله وليس من نوعية وزراء الخارجية الذين يستخدمون التعابير الغامضة التي تقبل أكثر من تأويل خوفا من هذا أو ذاك.
صحيح أنه من الصعب أن يجمع وزير الخارجية بين الجرأة واللغة القوية الحاسمة من جهة وبين عدم إحداث مشكلات لدولته مع غيرها من الدول، ولكن الأمير سعود الفيصل استطاع أن يفعل ذلك بتفوق يجعله يظل رمزا للدبلوماسية المشرفة وأهلا للبقاء في وجدان وعقل الشعوب ورجال السياسة والدبلوماسيين.
سيبقى الموقف الذي تحدث فيه الأمير سعود الفيصل بعد عودته من عملية جراحية وهو يقول لمستمعيه إن حالته خلال تلك التجربة كانت مثل حال أمتنا، بما فيها من فهم ومعان ومرارة وخوف على ما يمكن أن تؤول إليه أحوال الأمة.